سيد محمد طنطاوي
394
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ماثلا أمامه ، يقول - على سبيل التحسر والتفجع - : يا ليتني قدمت أعمالا صالحة لأجل حياتي هذه في الآخرة ، فاللام للتعليل ، وقدمت أعمالا صالحة في وقت حياتي في الدنيا لأنتفع بها في هذا اليوم ، فتكون اللام للتوقيت . * ( فَيَوْمَئِذٍ ) * أي : ففي هذا اليوم لا ينفعه الندم ولا التحسر ، و * ( لا يُعَذِّبُ عَذابَه أَحَدٌ ، ولا يُوثِقُ وَثاقَه أَحَدٌ ) * والوثاق : الرباط الذي يقيد به الأسير . أي : ففي هذا اليوم لا يعذّب كعذاب اللَّه أحد ، ولا يوثق كوثاقه أحد ، فالضمير في قوله : * ( عَذابَه ) * و * ( وَثاقَه ) * يعود إلى اللَّه - تعالى - ولفظ « أحد » فاعل . وقرأ الكسائي : * ( لا يُعَذِّبُ ) * و * ( لا يُوثِقُ ) * - بفتح الذال المشددة ، وفتح الثاء - على البناء للمفعول ، والضمير في قوله * ( عَذابَه ) * و * ( وَثاقَه ) * يعود للكافر . أي : فيومئذ لا يعذب أحد مثل عذاب ذلك الإنسان الكافر المتحسر ، ولا يوثق أحد مثل وثاقه ، ولفظ « أحد » هنا نائب فاعل . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : قالَ اللَّه إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ - أي : المائدة - فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُه عَذاباً لا أُعَذِّبُه أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه البشارة العظيمة للمؤمنين فقال : * ( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي ) * . والنفس المطمئنة : هي النفس الآمنة من الخوف أو الحزن في يوم القيامة . بسبب إيمانها الصادق ، وعملها الصالح ، والكلام على إرادة القول . أي : يقول اللَّه - تعالى - على لسان ملائكته ، إكراما للمؤمنين ، عند وفاتهم ، أو عند تمام حسابهم : يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة ، الناعمة بروح اليقين ، الواثقة بفضل اللَّه - تعالى - ورحمته . * ( ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ) * أي : ارجعي إلى ربك الذي خلقك ، وأنت راضية تمام الرضا بما أعطاك - سبحانه - من ثواب ، ومرضى عنك منه - تعالى - بسبب إيمانك الصادق ، وعملك الصالح . * ( فَادْخُلِي فِي عِبادِي ) * أي : فادخلي في زمرة عبادي الصالحين المرضيين . * ( وادْخُلِي جَنَّتِي ) * التي وعدتهم بها ، والتي أعددتها لنعيمهم الدائم المقيم . وقد ذكروا أن هذه الآيات الكريمة نزلت في شأن عثمان بن عفان لمّا تصدق ببئر رومة . وقيل : نزلت في حمزة بن عبد المطلب حين استشهد .